ابن أبي العز الحنفي
289
شرح العقيدة الطحاوية
وأفضل منه ، كما يقال : الأمير فوق الوزير ، والدينار فوق الدرهم - : فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة ، وتشمئز منه القلوب الصحيحة ! فإن قول القائل [ ابتداء ] : اللّه خير من عباده ، وخير من عرشه : من جنس قوله : الثلج بارد ، والنار حارة ، والشمس أضوأ من السراج ، والسماء أعلى من سقف الدار ، والجبل أثقل من الحصى ، ورسول اللّه أفضل من فلان اليهود [ ي ] ، والسماء فوق الأرض ! ! وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح ، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه ! فكيف يليق بكلام اللّه ، الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ؟ ! بل في ذلك تنقّص ، كما قيل في المثل السائر : ألم تر أن السيف ينقص قدره * إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ولو قال قائل : الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك ! لضحك منه العقلاء ، للتفاوت الذي بينهما ، فإن التفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم . بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك ، بأن كان احتجاجا على مبطل ، كما في قول يوسف الصديق عليه السلام : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يوسف : 39 . وقوله تعالى : آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ النمل : 59 . وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى طه : 73 . وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه ، فله سبحانه وتعالى فوقية القهر ، وفوقية القدر « 324 » ، وفوقية الذات . ومن أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقّص ، وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه . فإن قالوا ، بل علو المكانة لا المكان ؟ فالمكانة : تأنيث المكان ، والمنزلة : تأنيث المنزل ، فلفظ « المكانة والمنزلة » تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية « 325 » ، كما يستعمل لفظ « المكان والمنزل » في الأمكنة الجسمانية ، فإذا قيل : لك في قلوبنا منزلة ، ومنزلة فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان ، كما جاء في الأثر : « إذا
--> ( 324 ) في الأصل : الفضل . ( 325 ) في الأصل : والعرجانية .